الشوكاني
178
نيل الأوطار
أن يكون فاعل استقبلوها النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومن معه . وفي رواية في البخاري بكسر الموحدة بصيغة الامر ، ويؤيد الكسر ما عند البخاري في التفسير بلفظ : ألا فاستقبلوها . قوله : وكانت وجوههم هو تفسير من الراوي للتحول المذكور ، والضمير في وجوههم فيه الاحتمالان ، وقد وقع بيان كيفية التحول في خبر تويلة قالت : فتحول النساء مكان الرجال والرجال مكان النساء . قال الحافظ : وتصويره أن الامام تحول من مكانه في مقدم المسجد إلى مؤخر المسجد لأن من استقبل الكعبة استدبر بيت المقدس ، وهو لو دار في مكانه لم يكن خلفه مكان يسع الصفوف ، ولما تحول الامام تحولت الرجال حتى صاروا خلفه ، وتحول النساء حتى صرن خلف الرجال ، وهذا يستدعي عملا كثيرا في الصلاة ، فيحتمل أن ذلك وقع قبل تحريم العمل الكثير كما كان قبل تحريم الكلام ، ويحتمل أن يكون اغتفر العمل المذكور من أجل المصلحة المذكورة ، أو وقعت الخطوات غير متوالية عند التحول بل وقعت مفرقة . ( وللحديث الأول فوائد ) منها : أن حكم الناسخ لا يثبت في حق المكلف حتى يبلغه لأن أهل قبا لم يؤمروا بالإعادة . ومنها : جواز الاجتهاد في زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في أمر القبلة ، لأن الأنصار تحولوا إلى جهة الكعبة بالاجتهاد ونظره الحافظ قال : يحتمل أن يكون عندهم بذلك نص سابق . ومنها : جواز تعليم من ليس في الصلاة من هو فيها . ومنها : جواز نسخ الثابت بطريق العلم والقطع بخبر الواحد ، وتقريره أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم ينكر على أهل قبا عملهم بخبر الواحد ، وأجيب عن ذلك بأن الخبر المذكور احتف بالقرائن والمقدمات التي أفادت القطع لكونه في زمن تقلب وجهه في السماء ليحول إلى جهة الكعبة ، وقد عرفت منه الأنصار ذلك بملازمتهم له فكانوا يتوقعون ذلك في كل وقت ، فلما فجأهم الخبر عن ذلك أفادهم العلم لما كانوا يتوقعون حدوثه . وأجاب العراقي بأجوبة أخر . منها : أن النسخ بخبر الواحد كان جائزا على عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم وإنما امتنع بعده . قال الحافظ : ويحتاج إلى دليل . ومنها أنه تلا عليهم الآية التي فيها ذكر النسخ بالقرآن وهم أعلم الناس بإطالته وإيجازه وأعرفهم بوجوه إعجازه . ومنها أن العمل بخبر الواحد مقطوع به ، ثم قال : الصحيح أن النسخ للمقطوع بالمظنون كنسخ نص الكتاب أو السنة المتواترة بخبر الواحد جائز عقلا وواقع سمعا في عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم وزمانه ، ولكن أجمعت الأمة على منعه بعد الرسول ، فلا مخالف فيه وإنما الخلاف في تجويزه في عهد الرسول صلى الله